عبد الوهاب الشعراني
106
الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية )
96 - ومنهم شعبة بن الحجاج رضي اللّه عنه ورحمه : كانوا يسمونه أمير المؤمنين في الرواية والحديث ، وكان رضي اللّه عنه يقول واللّه إن الشيطان صار يلعب بالقراء كما يلعب الصبي بالجوز فكيف بغير القراء ، وكان قد عبد اللّه تعالى حتى جف جلده على عظمه فليس بينهما لحم وكان يصوم الدهر كله وكان يعيب على من يلبس ثوبا بثمانية دراهم ويقول هلا اشتريت قميصا بأربعة وتصدقت بأربعة فقيل له إنا مع قوم نتجمل لهم فقال أيش نتجمل لهم وكان إذا مر بسائل يذهب إلى البيت فيخرج له كل ما وجده وكان يقول لأصحابه لولا سؤالي للمحاويج والفقراء ما جلست مع أحد وكانت ثيابه شعبة لونها التراب . وكان إذا حك جلده انتشر منه التراب ، وكان رضي اللّه عنه إذا لم يجد شيئا يعطيه للسائل أعطاه حماره ومشى وكان إذا قعد في زورق أعطى الأجرة عن جميع من فيه وقوموا حمارة شعبة وسرجه ولجامه بسبعة عشر درهما وقوموا ثيابه فلم تساو عشرة دراهم من قميص وازار ورداء وأرسل له المهدي ثلاثين ألف درهم ففرقها في المجلس ولم يأخذ منها درهما وإن أهله لمحتاجون إلى رغيف . توفى رضي اللّه عنه بالبصرة وهو ابن سبع وتسعين سنة ، سنة ستين ومائة واللّه أعلم . 97 - ومنهم مسعر بن كدام بكسر الكاف رضي اللّه عنه : وكان يقول إن اللّه تعالى عبادا لو يعلمون بما ينزل القدر لاستقبلوه استقبالا حبا لربهم ولقدره فكيف يكرهونه بعد ما وقع وكان إذا فتح المصحف ورأى فيه قصة قوم عذبهم اللّه يقول إلهي قد دخلت رحمتهم قلبي فإن شئت فاغفر لي وإن شئت عذبني . وكان يقول لا تقعدوا فراغا فإن الموت يطلبكم وكان ينشد الشعر عقب الصلاة ويقول إن النفس تكون هكذا وهكذا وسئل رضي اللّه عنه من أفقه أهل المدينة فقال أفقههم أتقاهم للّه عزّ وجل وكان لا ينام كل ليلة حتى يقرأ نصف القرآن فإذا فرغ من ورده لف رداءه ثم هجع هجعة خفيفة ثم يثب مرعوبا كالرجل الذي ضل منه شيء عزيز فهو يطلبه فيستاك ثم يتطهر ويستقبل القبلة إلى الفجر . وكان رضي اللّه عنه يجتهد في إخفاء عمله وكان يقول اشتهى أن أسمع صوت باكية حزينة وقيل له : أتحب أن يخبرك الرجل بعيوبك ؟ فقال إن كان ناصحا فنعم وإن كان يريد أن ينقصني فلا وكان رضي اللّه عنه إذا خطر على باله يوم القيامة يبكى حتى